فخر الدين الرازي

245

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

إذا ثبت هذا فنقول : وجب ان لا يخرج الفاسق من النار لأنه لو خرج لكان اما ان يدخل الجنة أو لا يدخلها . والثاني : باطل بالاجماع والأول : لا يخلو اما ان يدخل الجنة على سبيل التفضل أو على سبيل الاستحقاق والأول باطل لأنا بينا ان هذه الآية تدل على أن أحدا لا يدخل الجنة بالتفضل والثاني : أيضا باطل لأنه لما دخل النار وجب ان يقال : انه كان مستحقا للعقاب فلو ادخل الجنة على سبيل الاستحقاق لزم كونه مستحقا للثواب وحينئذ يلزم حصول الجمع بين استحقاق الثواب واستحقاق العقاب وهو محال لان الثواب منفعة دائمة خالصة عن شوائب الضرر والعقاب مضرة دائمة خالصة عن شوائب المنفعة والجمع بينهما محال وإذا كان كذلك كان الجمع بين حصول استحقاقهما محالا . والجواب : هذا بناء على أن استحقاق الثواب والعقاب لا يجتمعان . وقد بالغنا في ابطال هذا الكلام في سورة البقرة . واللّه اعلم . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 44 إلى 45 ] وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ( 44 ) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ ( 45 ) [ في قوله تعالى وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا ] اعلم أنه تعالى لما شرح وعيد الكفار وثواب أهل الايمان والطاعات اتبعه بذكر المناظرات التي تدور بين الفريقين وهي الأحوال التي ذكرها في هذه الآية . واعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية المتقدمة قوله : وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها [ الأعراف : 43 ] دل ذلك على أنهم استقروا في الجنة في وقت هذا النداء فلما قال بعده : وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ دل ذلك على أن هذا النداء انما حصل بعد الاستقرار قال ابن عباس : وجدنا ما وعدنا ربنا في الدنيا من الثواب حقا فهل وجدتم ما وعدكم ربكم من العقاب حقا ؟ والغرض من هذا السؤال اظهار انه وصل إلى السعادات الكاملة وإيقاع الحزن في قلب العدو وهاهنا سؤالات : السؤال الأول : إذا كانت الجنة في أعلى السماوات والنار في أسفل الأرضين فمع هذا البعد الشديد كيف يصح هذا النداء ؟ والجواب : هذا يصح على قولنا : لأنا عندنا البعد الشديد والقرب الشديد ليس من موانع الإدراك والتزم القاضي ذلك وقال : ان في العلماء من يقول في الصوت خاصية ان البعد فيه وحده لا يكون مانعا من السماع . السؤال الثاني : هذا النداء يقع من كل أهل الجنة لكل أهل النار أو من البعض للبعض ؟ والجواب : ان قوله : وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ يفيد العموم والجمع إذا قوبل بالجمع يوزع الفرد على الفرد وكل فريق من أهل الجنة ينادي من كان يعرفه من الكفار في الدنيا . السؤال الثالث : ما معنى ( ان ) في قوله : أَنْ قَدْ وَجَدْنا . والجواب : انه يحتمل أن تكون مخففة من الثقيلة وأن تكون مفسرة كالتي سبقت في قوله : أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ [ الأعراف : 43 ] وكذلك في قوله : أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ .